جلال الدين السيوطي

327

الإتقان في علوم القرآن

فإذا أحكم القارئ النّطق بكلّ حرف على حدته موفّى حقّه ، فليعمل نفسه بإحكامه حالة التركيب ، لأنه ينشأ عن التركيب ما لم يكن حالة الإفراد ، بحسب ما يجاورها من مجانس ومقارب ، وقويّ وضعيف ، ومفخّم ، ومرقّق ، فيجذب القويّ الضعيف ، ويغلب المفخّم المرقّق ، ويصعب على اللسان النطق بذلك على حقّه إلّا بالرياضة الشديدة ، فمن أحكم صحّة التلفّظ حالة التركيب ، حصل حقيقة التجويد . ومن قصيدة الشيخ علم الدين في التجويد ، ومن خطه نقلت « 1 » : لا تحسب التّجويد مدّا مفرطا * أو مدّ ما لا مدّ فيه لوان أو أن تشدّد بعد مدّ همزة * أو أن تلوك الحرف كالسّكران أو أن تفوه بهمزة متهوّعا * فيفرّ سامعها من الغثيان للحرف ميزان فلا تك طاغيا * فيه ولا تك مخسر الميزان فإذا همزت فجىء به متلطّفا * من غير ما بهر وغير توان وامدد حروف المدّ عند مسكّن * أو همزة حسنا أخا إحسان فائدة : قال في « جمال القراء » « 2 » : قد ابتدع النّاس في قراءة القرآن أصوات الغناء ، ويقال : إن أوّل ما غنّي به من القرآن قوله تعالى : أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ [ الكهف : 79 ] . نقلوا ذلك من تغنّيهم بقول الشاعر « 3 » . أمّا القطاة فإني سوف أنعتها * نعتا يوافق عندي بعض ما فيها وقد قال صلّى اللّه عليه وسلّم في هؤلاء : « مفتونة قلوبهم وقلوب من يعجبهم شأنهم » « 4 » . وممّا ابتدعوه شيء سمّوه : الترعيد ، وهو : أن يرعد صوته كالذي يرعد من برد أو ألم . وآخر سموه : الترقيص ؛ وهو : أن يروم السّكوت على الساكن ، ثم ينفر مع الحركة كأنه في عدو أو هرولة . وآخر يسمّى : التطريب ، وهو : أن يترنّم بالقرآن ويتنغّم به ، فيمدّ في غير مواضع المدّ ، ويزيد في المدّ على ما لا ينبغي . وآخر يسمى : التّحزين ؛ وهو أن يأتي على وجه حزين يكاد يبكي مع خشوع وخضوع .

--> ( 1 ) وهذه القصيدة مطبوعة كما أشرت سابقا انظر ص 51 . والواني : اسم فاعل من ونى يني ونيا ، ومعناه الضعيف . والتهوع : التقيؤ . والبهر : تتابع النفس ، والتواني : التقصير . ( 2 ) انظر التمهيد في علم التجويد ص 55 - 57 فقد نقل كلام السخاوي كلّه . ( 3 ) وانظر المعارف لابن قتيبة ص 232 ، والتمهيد ص 55 . ( 4 ) سبق تخريجه ، وأوله : « اقرءوا القرآن بلحون العرب . . الحديث » .